الشيخ الطوسي

247

التبيان في تفسير القرآن

قلنا : إذا كان القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره ، ويجوز ان يبقى بعده فيكون القتل لطفا له فيما بعد ، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا واحدا : ويمتنع فيه من قبيح . وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال المشركين . فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك ، فلذلك روى أهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا . وكان القتل شهادة لمن قتل ، وتوبة لمن بقي . وإنما كانت تكون شبهة ، لو أمروا بان يقتلوا نفوسهم بأيديهم . ولو صح ذلك لكان لا يمتنع بان يكونوا أمروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت - وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف - . وأما على القول الآخر وهو انهم أمروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا مسألة لأنهم أمروا بقتل نفوسهم . وعلى هذا يكون قتلهم حسنا ، لأنه لو كان قبيحا لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام . وكذلك نقول : لا يجوز ان يتعبد نبي أو امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه ، فلا يدفعه لان في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه ، وذلك لا يجوز وإنما يقع قتل الأنبياء والأئمة على وجه الظلم ، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص على الدفع . غير أنه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع . وتحمل المشقة في ذلك - وان قتله غيره ظلما والقتل - وإن كان قبيحا بحكم العقل - ، فهو ما يجوز تغيره بان يصير حسنا ، لأنه جار مجرى سائر الآلام . وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسنا ووجه الحسن في القتل انه لطف على ما قلناه ، وكما يجوز من الله ان يميت الحي ، كذلك يجوز ان يأمرنا بإماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الآلام ويكون فيه لطف على ما قدمناه . وقوله : " ذلكم " إشارة إلى التوبة مع القتل لأنفسهم على ما أمرهم الله تعالى به بدلالة قوله . " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم " فقوله : " توبوا " دال على التوبة ، فكأنها مذكورة .